لماذا حزب «الدستور»؟

خلافى مع الدكتور البرادعى قديم يرجع إلى ما بعد عودته إلى مصر فى 2010 بشهر واحد.. وهو خلاف لا ينتقص من تقديرى له واعترافى بدوره كواحد من كبار رموز ثورة يناير، إن لم يكن رمزها الأشهر، ولا يمكن بحال أن يؤثر على موقفى من حزبه الجديد «الدستور» ولا علاقتى بقيادات الحزب، وبعضهم من أقرب الأصدقاء إلىّ: د. علاء الأسوانى ود. حسام عيسى والأستاذ جورج إسحق والسفير شكرى فؤاد ود. أحمد دراج، وآخرون لهم عندى تقدير خاص مثل د. أحمد حرارة، والأستاذة جميلة إسماعيل، ود. شادى الغزالى حرب.

مع ذلك فالمصارحة تقتضى منى أن أقول بلا تحفظ إننى فوجئت بأن الحزب تقدم بالفعل فى الأسبوع الماضى بأوراق تأسيسه إلى لجنة شؤون الأحزاب.. صحيح أن الاستعدادات بدأت لذلك منذ شهور بعقد الاجتماعات التمهيدية والمؤتمرات الصحفية وسيل الأخبار التى أغرقت وسائل الإعلام بسبب ثقل المؤسسين للحزب وكتلة الشباب النشطة المنضمة إليه، لكنه كانت هناك فى الوقت ذاته إشارات خفية ومعلنة توحى بأن العزم لم ينعقد تماما على إعلان الحزب.. هناك الغياب المألوف للدكتور البرادعى عن الساحة إلاّ من تغريدات على «تويتر» تنشط فى أوقات وتختفى فى أخرى، وهناك خلافات منذ اللحظة الأولى حول ما إذا كان الأكثر حكمة صياغة التنظيم فى حزب أو حركة أكثر شمولاً وسيولة، وهناك تنبؤات متفاوتة حول ما يمكن أن يحظى به الحزب من مكانة على الساحة مقارنة بأحزاب أخرى.. إضافة إلى ذلك كله كانت أنباء الصراعات والانشقاقات خاصة بين القيادات قد بدأت تجد طريقها إلى صفحات الصحف.

كل هذا مألوف فى الحياة الحزبية، وكل هذا لم يكن السبب فى أننى فوجئت بأن الحزب اتخذ خطوة جادة لإعلان قيامه.. السؤال الذى شغلنى منذ البداية: لماذا «الدستور»؟.. والسؤال لا يعنى اعتراضى على الحزب بذاته، وإنما اندهاشى من التوالد المرضى للأحزاب بعد ثورة يناير.. سبق أن كتبت فى هذا أتعجب من ائتلافات شباب الثورة التى انشطر بعضها وتم تصنيع أخرى على أيدى العسكر وقوى النظام السابق وغيرها، حتى بلغت أكثر من مائتى كيان، بعضها ينحصر أعضاؤه فى أفراد أسرة أو بعض الجيران.. لكن العدوى بعد ذلك انتقلت إلى الأحزاب حتى لم يعد الباحثون السياسيون أنفسهم يحيطون بعدد الأحزاب ولا بأهدافها، خاصة تلك التى قامت أو أعلن عن النية لإشهارها بعد الثورة.

يقال الآن إن الأحزاب المصرية يفوق عددها الخمسين، أكثر من نصفها نشأ بعد 25 يناير.. أنا لست متأكدا من الأرقام تماما.. لكن، لا بأس.. هذا أمر معتاد فى الدول التى حدث بها تحول ديمقراطى.. كثيرا ما يكون هناك شعور بأن تعدد الأحزاب يعنى الديمقراطية رغم أن قيام الأحزاب بل حتى قيام الثورة ذاتها لا يعنى ذلك.. فى مصر كان هناك دافع إضافى لقيام أحزاب جديدة، خاصة تلك التى تسعى إلى دولة مدنية تحفظ حقوق المواطنة وتضمن الحريات الشخصية والعامة، هو التخوف من زحف تيار الإسلام السياسى الذى استحوذ على الأغلبية فى البرلمان ووصل مرشحه فى النهاية إلى كرسى الرئاسة.. ربما يكون هذا الدافع هو العامل الموضوعى الرئيسى الذى أدى لقيام العديد من الأحزاب المدنية، رغم أن قادتها عادة ما يعلنون خلاف ذلك.. وربما تكون هذه الأحزاب قد استقطبت مزيدا من الأعضاء بسبب هذا التحدى، لكن هذا لم يضمن لها حتى الآن ولن يضمن لها فى النهاية التفوق على تيار الإسلام السياسى.

السبب هو التشرذم.. هذا ما رأيناه فى الانتخابات الرئاسية.. وهذا ما نراه حتى اليوم.. المقولة الرائجة هذه الأيام هى أن القوى المدنية عازمة على التنسيق فيما بينها وعلى قيام تحالفات لخوض المعارك الانتخابية، سواء بالنسبة للبرلمان أو للمحليات.. كثير من الزعماء السياسيين يقولون ذلك.. وبعضهم تنقل لنا عدسات التصوير صورهم وهم مجتمعون رغم اختلافاتهم حول مائدة واحدة.. وهناك ما يمكن أن يسمى «حمى التيارات»، بعضها باسم «التيار الشعبى» والبعض باسم «التيار الثالث»، بخلاف ما قد يستجد، وهى حمى محمودة فى كل حال.. وهناك أخبار عن اجتماعات بين البرادعى وحمدين صباحى تتحدث عن حشد جهودهما معاً.. وفى يوم الجمعة الماضى حضرت المؤتمر العام الأول للحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى، حيث أشار رئيسه الراهب فى محراب الثورة محمد أبوالغار إلى التنسيق مع القوى التى تنتمى إلى نفس الفصيل السياسى، وقال صراحة إن «الدستور» هو أقربها إلى حزبه.

تذكرت وقتها «الدستور»، وعادت الأسئلة تتدافع: لماذا كل هذا الجهد لقيام حزب جديد، وهناك حزب يرفع الشعارات نفسها هو المصرى الديمقراطى؟.. لماذا وقد جمعت بين أعضاء الحزبين معارك مشتركة وصداقات وثيقة؟.. يصرح الأستاذ جورج إسحق أمس الأول بأنه يرحب باندماج أى حزب داخل «الدستور».. سؤالى هو: ولماذا لم يندمج «الدستور» فى أى حزب آخر يتفق معه فى الأهداف بدلا من عناء قيام حزب جديد؟.. كيف فات هذا على الدكتور محمد غنيم وهو الصديق المقرب من كل من الدكتور البرادعى والدكتور أبوالغار، أو على الأصح: لماذا لم ينجح فى تحقيقه؟.. ليس مهما من ينضم إلى من أو ما هو الحزب الذى يندمج فى الآخر.. المهم أن تلمس الجماهير المؤمنة بدولة مدنية أن قادتها مخلصون حقا فى تحقيق هذا الهدف، وأولى علامات هذا الإخلاص الإيثار والتخلص من نزعات الزعامة والأنانية.

لا «الدستور» ولا غيره هو المقصود فى ذاته.. «الدستور» مجرد مثال.. والمقصود أن تسعى التيارات المدنية باختلاف توجهاتها إلى ضم صفوفها.. لا أحد يمكن أن يغالى فينادى بتنظيم مدنى واحد، لكننا على الأقل نطمع فى أن نرى تجمعا ما يضم الأحزاب الوسطية، وآخر يضم أحزاب اليسار، وثالثا يضم الأحزاب المحافظة، بدلا من أن تتبعثر هذه القوى بين أكثر من عشرين حزبا.. ولو انسقنا فى الطمع فسوف نطالبها فى النهاية بصيغة ما من التحالف فى المواقف الفارقة.. بغير ذلك ندعوهم إلى التوقف عن خداعنا بالتصريحات المعسولة والتوقف عن خداع أنفسهم بإلقاء تبعة فشلهم على الإخوان المسلمين وحلفائهم.


10:50 ص | نشر فى , | أقرأ المزيد »

الخازوق عقاباً للصحفيين

أمام المحكمة نفسها التى حكمت على رئيس تحرير «الدستور» الأسبوع الماضى، محكمة جنايات جنوب الجيزة، وأمام القاضى نفسه، المستشار محمد فهيم درويش، وقفت منذ سنتين متهماً بقذف وسب وزير الخارجية الأسبق أحمد أبوالغيط.. ورغم أن القضية انتهت بالتصالح دون حاجة إلى اعتذار أو تصحيح، فإننى أعرف جيداً ذلك الشعور الذى ينتاب الصحفى وهو ينتظر حكماً قد يصل إلى الحبس.. المفترض اليوم إذن أن أقف فى معسكر الصحافة، مندداً بحبس الصحفيين، مطالباً بإطلاق حرية التعبير دون قيد.. لكننى أعترف بأننى لست فى الواقع بهذا القدر من الحماس، ربما لأن الأمر لا يتعلق بقضية «الدستور» وحدها، وإنما أيضاً لأنها تتزامن مع قضية أخرى مشابهة لذلك الكيان المشبوه المسمى «الفراعين».

فقدت الحماس، لأن كثيراً مما تنشره وسائل الإعلام الآن من تضليل ونهش للأعراض لا ينتمى إلى المهنة بصلة.. أنا لا أتحدث هنا عن التعليق والتحليل.. فى هذا، من حقنا أن نقول ما تمليه علينا اجتهاداتنا وانتماءاتنا.. أما الخبر، المعلومة، فهذا شىء آخر.. الخبر يجب أن يكون صحيحاً، فإذا ما حاد عن الحقيقة، فذلك لا يحتمل إلا واحداً من احتمالين، إما الإهمال أو سوء النية، وكلاهما يستدعى العقاب.. زعمت «الدستور» من بين ما زعمت أن الرئيس يبيع أراضى سيناء للفلسطينيين.. على رئيس تحريرها إذن عندما يقف أمام المحكمة فى سبتمبر أن يثبت ما إذا كان خبره هذا صحيحاً، فإذا اتضح كذبه لابد عندئذ من عقاب.. الخلاف الآن فى كل الأحوال ليس حول توقيع العقاب من عدمه.. الخلاف حول طبيعة العقاب، حول الحبس.

منذ زمن، كانت أوروبا تعاقب ناقل الأخبار الكاذبة بوضعه على خازوق، ثم بدأ المجتمع الصحفى فى العالم كله فى المناداة بالإقلاع عن العقوبة الجسدية، فاستبدلت بالحبس، لكنه تبين فيما بعد أن عقوبة الحبس تضير الصحفى لكنها لا تلحق العقاب المطلوب بالصحيفة، وتبين كذلك أن التهديد بالحبس قد يغل يد الصحافة عن واحدة من مهماتها الأولى، وهى كشف الفساد ومقاومة الاستبداد، فبدأت الدعوة لإلغاء عقوبة الحبس، حتى اختفت تماماً فى كل النظم الديمقراطية.

الصحفيون سعداء بالطبع بإلغاء الحبس، وكذلك الحال بالنسبة للحقوقيين والنشطاء السياسيين، إلا أننا إذا استمعنا إلى عموم الناس لوجدنا رأيهم على النقيض تماماً لفرط ما تدهورت إليه أحوال مهنة الإعلام وابتذاله فى خضم الصراعات السياسية وفى دوامة الإثارة بحثاً عن الانتشار والشهرة والمكاسب المادية.. سوف يذهل أصحاب الأقلام إذا ما اطلعوا مثلى على التعليقات التى وردت فى دنيا «تويتر» و«فيس بوك» بعد صدور حكم «الدستور» وتبينوا إلى أى حد فقد الإعلام مصداقيته واحترامه لدى الرأى العام.. سيتساءل الناس: لماذا على رأس الصحفى وحده ريشة؟.. لماذا يتمتع الصحفى بحصانة؟.. لماذا لا يعامل الصحفى كما يعامل غيره فى باقى المهن؟.. لماذا نشجع الإعلام الرخيص والصحافة الصفراء؟.. لماذا يصبح الإعلام سيفاً مصلتاً على رقاب الجميع، يسب هذا ويقذف ذاك ويتجنى بلا حسيب أو رقيب؟.. وهل يقبل واحد منكم بأقل من الحبس لصحفى اتهمكم بالدعارة أو بالشذوذ أو بالرشوة؟.. علينا اليوم أن نجيبهم، وأن نبرر لهم لماذا ننادى بإلغاء الحبس، ولكننى على يقين بأننا لن نستطيع إقناعهم ما دمنا لا نوقع على الصحفيين عقوبات لا تقل إيلاماً.

الغرض من العقوبات جميعاً هو ردع وسائل الإعلام حتى لا تعتدى على أعراض الناس وعلى حقوقهم، وحتى لا تضلل جماهيرها أو تثير بينهم الفتن.. الغرض هو إحداث التوازن الدقيق الصعب بين الحرية والمسؤولية.. ومن أجل هذا الغرض وضعت مواثيق الشرف والقواعد المهنية، وكلفت النقابات المهنية بتطبيقها.. لكننا نلاحظ فى مصر أن الإعلاميين (فى الإذاعة والتليفزيون) ليست لهم حتى الآن نقابة، أما نقابة الصحفيين فقد تفرغت لمهام جانبية وغرقت فى الخصومات الشخصية.. لذلك ذهبت الشكاوى من وسائل الإعلام إلى المحاكم، ووقعت فى مستنقع المناكفات السياسية.. أنت مع الإخوان المسلمين الآن، فليعدم الصحفيون جميعاً.. أنت ضدهم، فليطلق العنان للصحافة، بلا ضابط ولا رابط، تخوض فى أعراض الناس وتكذب وتزوِّر وتضلل كما شاءت.. أما أن تأخذ مثلى موقفاً وسطاً ضد الشتائم التى تنشرها وسائل الإعلام وضد حبس الصحفيين فى الوقت ذاته، فهذا لا يرضى أياً من الجانبين.

مع ذلك فسوف أظل أدعو إلى تطبيق العقوبات المتدرجة التى تبدأ بالإنذار ثم الغرامة المتصاعدة لكل من الصحفى والجريدة، ثم إيقاف الصحفى وإيقاف الجريدة، ثم شطب الصحفى من جدول المشتغلين بالمهنة ومصادرة الجريدة ذاتها.. اقترحت الجماعة الإعلامية أن يتم ذلك من خلال قيام كيان مستقل عن الحكومة تماماً ينظم مهنة الإعلام ويهدف إلى ازدهارها، ويضمن حرية التعبير وتداول المعلومات، وحماية مصالح الجمهور من انحيازات الإعلاميين وانفلاتاتهم، ويحدد أسس المنافسة ويمنع الاحتكار، ويرتقى بالأداء بوضع المواثيق الأخلاقية والقواعد المهنية.. وتتولى إدارة هذا الكيان، الذى يمكن أن يسمى «المجلس الوطنى للإعلام»، حكماء الإعلاميين، إلى جانب رموز القانون والثقافة والتربية الذين تنتخبهم الهيئات المهنية لسنوات محددة لا يخضعون خلالها للعزل.

قدم الإعلاميون من خلال «المبادرة المصرية لتطوير الإعلام» مقترحاً بقانون بهذا الشأن إلى مجلس الشعب قبل حله، ومضت المناقشات فيه شوطاً بعيداً مع مقترحات أخرى قدمتها وزارة الإعلام عندئذ، ثم أعيد طرح الأمر فى الجمعية التأسيسية للدستور، حيث لاقى حتى الآن قبولاً مبدئياً كما نسمع.. وفى الأسبوع الماضى، تلقيت مكالمة من القاضى الجليل المستشار أحمد مكى، وزير العدل، أحد قادة حركة استقلال القضاء البارزين، يقترح فيها مناقشة قيام المجلس الوطنى مع عدد من الزملاء من شيوخ المهنة.. قيام هذا المجلس هو الضمان لتصحيح أوضاع الإعلام، بالدفاع عن حريته والحرص على مسؤوليته وردع الخارجين على رسالة المهنة.. لو ترك هؤلاء، كما هو الحال اليوم، يتشدقون بالنداء بإلغاء الحبس دون خضوع لأى ضابط، فلا تندهشوا غداً إذا وجدتم من ينادى بالعودة لعقاب الصحفيين بوضعهم على الخوازيق.


12:52 م | نشر فى , | أقرأ المزيد »

خونة الإعلام لا أخونة الإعلام

حمدي قنديل
رغم كل ما تزخر به وسائل الإعلام الآن من حديث حول أخونة الإعلام، وما تشير إليه من دلائل، فإننى لست قلقاً على مستقبل الإعلام من هيمنة «الإخوان المسلمين» بقدر قلقى عليه من الإعلاميين.. أنا لا أستهين بالمخاطر التى تمثلها الجماعة على الإعلام، لكننى أنبه إلى المخاطر المماثلة من أبناء المهنة أنفسهم.. مبدئياً، لاشك عندى فى أن «الإخوان»، شأنهم شأن أى جماعة سياسية تتولى الحكم، يتمنون أن يحكموا قبضتهم على الإعلام، ولا جدال فى أن هناك شواهد توحى حالياً بأن «الإخوان» يزحفون على المشهد الإعلامى بأقدام ثقيلة أحياناً.. خذ عندك اختيار رؤساء تحرير الصحف القومية الجدد..


11:15 ص | نشر فى , | أقرأ المزيد »

حمدى قنديل .. الله يترقب الوصول


أظن أن هناك شواهد عدة تشير إلى أن وفاة عمر سليمان كانت غامضة.. حتى أسابيع قليلة مضت كان الرجل يبدو فى كامل صحته، وإلاّ لما كان قد تقدم للترشح لرئاسة الجمهورية مع ما يستتبعه ذلك من حملة انتخابية مرهقة ومن مسؤوليات جسام إذا ما كان قد فاز بالمنصب.. وفى المشاهد القليلة التى تم تصويره فيها أو سُمع فيها صوته كانت القامة منتصبة والصوت نابضاً بالعزم والقوة.. بدأت معركته الانتخابية وانتهت فى فترة قصيرة للغاية، وأحاطتها غيوم كثيفة ما بين إعلانه الترشح فى اللحظة الأخيرة واستبعاده المفاجئ على التو.. واستمرت الملابسات المحيرة تحيط بالرجل، فإذا به يغادر البلاد فجأة فى 10 يونيو إلى مقصد مثير للتساؤل فى الإمارات، ثم تلحق به بناته بعدها بعشرة أيام.. ولا تمضى أيام معدودة أخرى حتى يتبعه أحمد شفيق، رفيقه فى الحكم فى الأيام الأخيرة لـ«مبارك»، ومعه بناته أيضاً، ولا نسمع بعد ذلك عن الرجل شيئاً طوال شهر كامل حتى نفاجأ بخبر موته فى مستشفى فى أمريكا دون أى مقدمات.. ثم نسمع بعد ذلك بساعات عن كشف محاولة لاغتيال أحمد شفيق، أفصح عنها «شفيق» ذاته.


عمر سليمان ليس رجلاً عادياً.. هو مرشح سابق للرئاسة، ونائب رئيس سابق تولى إدارة البلاد فى أيام الثورة العصيبة، ومدير مخابرات مبارك لنحو عشرين عاماً.. هو الصندوق الأسود لعصر مبارك، كما سماه معظم المعلقين وكما سمى هو نفسه، بل هو صندوق أسود أيضاً بالنسبة لإسرائيل وأمريكا وغيرهما.. لذلك لم تمر وفاته المباغتة دون أن تحدث ضجة وتثير لغطاً وتطرح أسئلة لا نميز فيها بين الحقائق والشائعات.. نشر موقع القناة السابعة الإسرائيلية «عاروتس شيفع» أن عمر سليمان كان مكلفاً بمهمة وساطة سرية بين سوريا وإسرائيل للحيلولة دون مهاجمة الثوار السوريين بالسلاح الكيميائى حتى لا تنقل الرياح سمومه إلى إسرائيل، ونقلت عن مصادر غير متطابقة أنه كان حاضراً الاجتماع الأمنى الذى تم تفجيره فى دمشق وأن جثته وصلت متفحمة إلى أمريكا.. لم تؤكد وسائل إعلام أخرى هذه الرواية ولا غيرها.


فى كل الأحوال لم يقتنع كثيرون بأن الوفاة طبيعية، بمن فى ذلك العديدون من أنصاره.. وزاد من الهواجس ما أعلنه المقربون منه من أنه ذهب إلى أمريكا ليجرى فحوصاً طبية روتينية، وأنه لم يكن يشكو من عرض محدد، ثم تراكمت سحب الغموض عندما أُعلن أن عمر سليمان توفى بمستشفى كليفلاند الشهير بسبب مرض نادر، ولكن صهره أضاف إلى المشهد علامات تعجب أخرى عندما صرح بأنه توفى على سريره بالمنزل الذى كان يقيم فيه فى أمريكا.


يقال إن صحة عمر سليمان اعتلّت فى الشهور الأخيرة من حياته، ويؤكد الصحفى الألمانى فولك هارد، الذى يعتبر عمدة المراسلين الأجانب المقيمين فى القاهرة، أن الرجل كان مصاباً بسرطان الدم منذ فترة طويلة، ومع ذلك هناك كثيرون يرجحون أنه حتى وإن كان المرض قد تعقب عمر سليمان لسنوات فلم يكن هو الذى أدى إلى وفاته وإنما أدى إليها ماضيه الذى تعقبه منذ تولى إدارة المخابرات قبل عشرين سنة.. خلال هذه الفترة كان الرجل حلقة الاتصال الأساسية مع إسرائيل التى اعتبرته، مثل مبارك تماماً، كنزاً استراتيجياً بالنسبة لها، وكان سليمان أيضا قناة الاتصال الأساسية بين الإدارة الأمريكية ومبارك فى كل الشؤون، أمنية وغير أمنية، بما فى ذلك عمليات التعذيب بالوكالة للجهاديين الذين طاردتهم أمريكا، وهو الدور الذى تقول جريدة الجارديان إنه كان «الأكثر ظلمة فى الحرب على الإرهاب».. وكان دوره فى مقتل وزير الخارجية الليبى الأسبق منصور الكخيا أكثر غموضاً، حتى إن وزير خارجية ليبيا الأسبق اتهمه بأنه سلم الكخيا للقذافى.


من هذه الروايات تتزايد الشبهات حول مسؤولية سليمان فى العمل لصالح دول أخرى إضافة إلى كونه شريكا لمبارك فى كل القرارات الكبرى التى قزمت دور مصر ومكانتها فى المنطقة وفى العالم.. ومن المؤكد أن دور سليمان هذا جلب له خارج مصر الأعداء بالقدر الذى جلب الأصدقاء.. كذلك كانت مكانته البارزة فى نظام مبارك تجلب له عداوات أخرى فى الداخل، لعل أشهرها تلك التى كانت بينه وبين سوزان وجمال مبارك منذ بدأ مشروع التوريث، فقد كان سليمان فى نظرهما هو المنافس الوحيد لجمال على الخلافة.. من هنا لم يكن غريبا ما نشره الكاتب جهاد الخازن أمس الأول فى جريدة الحياة من أن سليمان أبلغه فى لقاء أخير معه أنه يرجح أن يكون جمال وراء محاولة اغتياله أثناء الثورة.. وفى حوارات أخرى أجراها الرجل فى شهوره الأخيرة يتضح أنه يعتبر الإخوان المسلمين أعداءه وأعداء مصر الأول.


دعا هذا السجل المثير للجدل بعض أتباع سليمان إلى المطالبة بالتحقيق فى وفاته، واستدعى بعضهم من الذاكرة ملابسات وفاة الرئيس الفلسطينى عرفات وكذلك ملابسات نهاية أشرف مروان وغيره، ونادت بنفس المطلب قوى سياسية مختلفة، كما قدم المحامى عاصم قنديل بلاغا إلى النائب العام يطالب فيه أجهزة الدولة بإجراء التحقيقات اللازمة حول النهاية التى قد تكون أطراف داخلية أو خارجية قد تورطت فيها، ويطالب بالاستماع إلى أقوال الرئيس المخلوع ورئيس جهاز المخابرات العامة الحالى وإلى أقوال الأستاذ هيكل فى هذا الخصوص وكذلك بالكشف عن التقارير الصحية لسليمان قبل أن يغادر مصر.. ربما يكون محامون آخرون قد تقدموا ببلاغات مماثلة، إلاّ أن أهمية بلاغ قنديل الأخير تأتى بعد بلاغين سابقين، أحدهما قدمه بصفته محاميا عن الثوار فى قضية مبارك، وفيه يتهم عمر سليمان بحجب معلومات عن العدالة بعد أن صرح بأن لديه بيانات لم يدل بها أمام المحكمة، وكان من شأن هذا البلاغ أن يمنع سليمان من مغادرة البلاد للتحرى عن المعلومات التى لديه.. أما البلاغ الثانى فقد طالب فيه النائب العام بوضع سليمان على قوائم ترقب الوصول والمنع من السفر.


تثير هذه البلاغات مسألة مهمة، هى أن القيادات العليا التى تشغل مناصب حساسة محظور عليها إجراء الفحوصات الطبية أو الخضوع للأشعة أو العمليات إلاّ تحت ظروف خاصة، وبإشراف من الأجهزة الأمنية المختصة، خشية تعرضها لاستلاب المعلومات منها أثناء إجراءات التخدير أو تناول الحقن والأدوية وغير ذلك، بل إن هناك قيودا مماثلة تنطبق على السفر فى عمومه لأى جهة كان وبأى سبب.. لا أحد يعرف إن كانت هذه الإجراءات قد اتبعت قبل سفر سليمان، وإن كانت الشواهد تشير إلى أن ذلك لم يحدث.. وإذا كان هذا صحيحا بالنسبة لسليمان فلاشك أن الفريق شفيق، الذى يمتلك هو الآخر معلومات تتعلق بأمن مصر القومى، لم تطبق عليه الإجراءات المطلوبة، رغم أنه كانت قد قدمت بلاغات ضده للنيابة بتهم فساد، وأنه كان مطلوبا للشهادة فى قضية موقعة الجمل التى يتهمه الثوار بالمسؤولية عنها.


الخشية أن تكون البلاد قد فلت زمامها إلى حد التفريط فى أسرارها الحيوية، والتفريط أيضا فى حياة من يملكون هذه الأسرار.. الخشية أيضا أن يكون بعض الكبار قد أفلتوا من الوقوف أمام العدالة، وربما يكون بعضهم قد أفلت بأموال الشعب المنهوبة.. الملف لا يمكن أن يغلق دون تحقيق شامل عاجل.. سيفلت البعض من الحساب، ولكن الله يترقب الوصول.


7:41 م | نشر فى , | أقرأ المزيد »

Blog Archive

Labels

Recently Commented

Recently Added