خيالات المآتة

فى تجارب مشابهة للتجربة المصرية وبعد حدوث ثورة أو تغيير أو إصلاحات سياسية، هناك مساران لا ثالث لهما: الأول هو أن يصل من قاموا بالثورة أو التغيير للحكم مباشرة، من خلال التوافق على مشروع سياسى واحد يعبر عنه شخص أو مجموعة أشخاص، أو حزب أو مجموعة أحزاب، والثانى أن يقوم النظام القائم، خاصة فى البلاد التى بها مؤسسات دولة قوية وبيروقراطية عريضة وشخصيات سياسية وعسكرية ذات وزن بإجراء هذه الإصلاحات.

وهنا قد تلعب الضغوط الشعبية دوراً فى التغيير، كما جرى فى إندونيسيا وبعض بلاد أوروبا الشرقية، أو تلعب دورا حاسما كما جرى فى كثير من دول أمريكا اللاتينية ومصر وتونس، وقد يقوم النظام نفسه بإصلاحات داخلية كما فعل فرانكو فى إسبانيا بدعوته الملك للعودة وبدء عملية التحول الديمقراطى، بعد أكثر من 30 عاما من الحكم المطلق، أو الجيش البرتغالى بانقلابه الشهير عام 1974 وفتح الباب أمام بناء نظام ديمقراطى، أو تركيا التى راهنت فيها التيارات الإسلامية على الفعل المؤسسى والإصلاحى وليس الثورى، حتى وصلت دون شريك للسلطة فى انتخابات ديمقراطية فى 2002، وأجرت إصلاحات كبيرة فى بنية النظام القائم.

والحقيقة أن الدولة التى تركها «مبارك» اختلفت عن كل هذه التجارب، بل اختلفت عن أى حقبة أخرى فى تاريخ مصر، فهى التى عملت تجريفاً شاملاً أصاب العقول والنخب، بحيث بات من الصعب أن تجد رجل دولة أو سياسياً لم يمر على عهد مبارك إلا وأصابه قليل أو كثير من صفاته، فبقاؤه 30 سنة فى السلطة معناه العملى أن كثيراً من كوادر الدولة المصرية الأكفاء القادمين أساسا من دولة عبدالناصر، وجزئيا السادات، قد أصابها انهيار حقيقى، جراء التهميش والفساد وانعدام الكفاءة، على عكس ما جرى فى فترات سابقة، حيث لمعت أسماء أيدت النظم القائمة وحافظت على كفاءتها وعطائها، وكانت مصر لحظة تنحى عبدالناصر عن السلطة، بعد هزيمة 67، مليئة بالكوادر والكفاءات القادرة على حكم البلاد، وكان يمكن أن تُحدث تحولاً ديمقراطياً حقيقياً خارج طريق الإخوان.

والمفارقة أن مصر لحظة تنحى عبدالناصر أو عقب اغتيال السادات كانت مليئة بالكوادر والكفاءات، فمن وزراء مرموقين إلى كتاب وصحفيين لامعين إلى عسكريين عظام، كل هؤلاء كان يكفى أى واحد منهم أن يقرر البدء بإصلاحات ديمقراطية حقيقية، ليحصل بسهولة على تأييد الشارع، حتى لو عارضه الإخوان وما تبقى من الشيوعيين.

ولذا لا يبدو غريباً أن مصر لم تجد لحظة تنحى مبارك شخصية واحدة من داخل الدولة لديها مصداقية وقبول فى الشارع تصلح لقيادة البلاد كما كان فى عهد عبدالناصر، وكما لاحت الفرصة بعد حرب أكتوبر فى عهد السادات، فالإفلاس والتصحر اللذان أصابا المنظومة السياسية طوال هذا العهد جعلا رموزها أشبه بخيالات المآتة، غير قادرين على فعل أى شىء بما فيه الدفاع عن دولتهم وجمهوريتهم وجنى مصالحهم.

فلا يوجد وزير، إلا من رحم ربى، يتذكره الناس بالخير طوال هذا العهد، وحتى من دخلوا وزارات مبارك وخلفهم تاريخ من الإنجازات العلمية فقدوه مع حجم النفاق وسوء الأداء اللذين وقعوا فيهما طوال حكم اهتم بالشكليات وتوافه الأمور، وتعامل مع المشاكل بالمسكنات، حتى تحولت إلى مصائب وإرث نحتاج للكثير لكى نخرج منه.

إن عصر «مبارك» ليس مثل عبدالناصر والسادات، وليس أيضا مثل النظام الملكى، إنما هو نوع فريد خرب، دون غيره، مؤسسات هذا البلد، وجعل وجود الأكفاء والمهنيين عملة نادرة، والسياسيين المخلصين عملة أندر.

فهل نتذكر حب الناس للجيش لحظة نزوله إلى الشارع يوم 28 يناير، وكيف لم يستثمر قادة المجلس العسكرى واحداً فى المائة من هذا الرصيد فى قرار جرىء واحد، فتفرجوا على ما يجرى فى مشهد شديد الغرابة غيّر من الصورة الذهنية لكثير من المصريين عن صورة قادة الجيش العظام، فمن أداروا المرحلة الانتقالية ليسوا أحمد فوزى ولا أحمد إسماعيل ولا الجمسى ولا الشاذلى ولا أبوغزالة ولا قطعا الشهيد عبدالمنعم رياض، وغيرهم الكثيرون.

إن غياب هؤلاء وضعف الآخرين فتحا الباب أمام أبطال المعارك الوهمية، الذين تحدثوا عن خطط المجلس العسكرى للبقاء فى السلطة ـ «عسكر كاذبون» ـ ومؤامراته الوهمية على الثورة، وأن لديه مرشحاً سرياً يدعمه، وأنه يقف وراء حل مجلس الشعب، وبالتالى فإن مجىء شفيق «حتمى» للسلطة . واكتشف الجميع أن «ليتهم متآمرون»، وأن الضعف والفشل وسوء الإدارة هى سمات من ظل مرؤوسا لمبارك 21 عاما.

إن أخطاء المجلس العسكرى الكثيرة تمثل عكس ما تصوره الكثيرون عنه، فهو مجلس غير سياسى ورث نظاما فرض عليه فى أحيان كثيرة أن يكون ضعيفا وعاجزاً عن اتخاذ أى قرار، وهو مجلس قد يصلح فى الإدارة، ولذا لم يكن غريبا أن يطالب نادى الزمالك المشير طنطاوى بأن يترأسه، وهو أمر كان أكثر واقعية من إدارة المرحلة الانتقالية، فقد أخطأ خطأ جسيما، حين لم يسلم السلطة لرئيس انتقالى يضع أساساً للمرحلة الانتقالية وعلى رأسها الدستور، أو يعتبر أن رأس النظام قد سقط، ويقوم هو باعتباره جزءاً من النظام القديم والدولة بوضع أساس المرحلة الانتقالية، من خلال تعديل دستور 71 والسير به حتى انتخابات الرئاسة.

لم يبادر المجلس العسكرى فى أى شىء، وتعامل مثلما كان يتعامل مبارك ببطء فى كل شىء.

ولولا تحول رجال مبارك ونظامه إلى «خيالات مآتة» لما وصل الإخوان للحكم، دون دستور مكتوب، ودون قانون انتخابات، ودون تقنين لوضع الجماعة، ولو كانت مصر قد بدأت التغيير وعمرو موسى ونبيل العربى ومنصور حسن فى الـ60 من عمرهم، والمشير أبوغزالة وعزيز صدقى على قيد الحياة وغيرهم الكثيرون لكان وجه مصر قد تغير 180 درجة عما هى فيه الآن.

لقد جثم مبارك 30 عاما على صدور المصريين ففرغها من المعارضة السياسية، وفرغ الدولة من كوادرها المهنية، وفتح الطريق سهلا لزمن الإخوان.

نعم، قد تكون الأقدار سهلت من مهمة الإخوان فى الوصول للسلطة، لأنهم الفصيل الأكثر جدية والأكثر تضحية على مدار 84 عاما، ومعضلة دولة خيالات المآتة «المباركية» أنها لم تعط للشعب المصرى فرصة، لكى يضع الأساس الدستورى والقانونى للنظام الجديد، بحيث إذا جاء الإخوان أو أى تيار آخر فلا يشعر باقى المصريين بأنهم مهددون من سيطرة حزب واحد أو تحت رحمة اتجاه واحد، فلم يكن المطلوب منعهم، إنما وضع القواعد والأسس التى تجعل وصولهم للسلطة مثل وصول أى تيار آخر.


11:58 ص | نشر فى , | أقرأ المزيد »

ميزانية الجيش والجماعة

مازال البعض فى جماعة الإخوان المسلمين يتعامل مع موضوع تقنين وضع الجماعة على طريقة الحزب الوطنى، فمن ادعاء أن الجماعة لم تحل إلى انتظار تفصيل قانون جديد على مقاسها بدا الأمر خارج أى منطق وعقل.

ودخلت الجماعة فى سجال لا معنى له على وضعها القانونى، دفع صحيفة التحرير فى عدد أمس الأول إلى وصف الجماعة بأنها «منحلة بالثلاثة» حين قالت إن «الإخوان» منحلة بقرارين محصنين دستوريا من مجلس قيادة الثورة فى 1954، وأنها لم تلتزم بقانون 1964 لتنظيم الجمعيات الأهلية، وتجاهلت قانون 84 لسنة 2002 الذى يلزمها بتقنين أوضاعها.

وبعيدا عن أنه كانت هناك استحالة أن تقنن وضعها وفق قانون 1964 فى ظل الصراع الدامى الذى دار بينها وبين نظام عبدالناصر، إلا أنه فى يدها الآن أن تغلق هذا الملف وتكيف وضعها مع القانون الحالى ولا تنتظر «القانون التفصيل».

إن أسوأ ما فى هذا المشهد أن مصر خطت خطوات إلى الأمام وناقشت ملفات كانت من المحرمات قبل الثورة، منها ميزانية الجيش التى سيناقشها البرلمان ويعرفها الشعب المصرى لأول مرة فى تاريخه المعاصر، كما أن البعض طالب بأن تناقش تفاصيل هذه الميزانية فى لجان مغلقة بمجلس الشعب، وهو أمر لم يكن يسمح بالتفكير فيه قبل 25 يناير.

الأمر نفسه انسحب على حزب الجماعة الذى قبل ترخيص وضعه القانونى وظهرت أحزاب لجماعات إسلامية لم يكن مسموحا لقادتها أن يتحدثوا علنا فى عهد المخلوع، وأصبحت الآن جزءاً من الحياة العامة، وحصل حزب الوسط على رخصته القانونية بعد الثورة أيضا بعد أن ظل محاصرا ومناضلا 15 عاما قضاها فى المحاكم بحثا عن الشرعية القانونية، وتكرر الأمر نفسه مع حزب الكرامة وحصل على ترخيص قانونى بعد الثورة، وظهرت جمعيات أهلية جديدة، بعضها، أو ربما كلها، لديه ملاحظات على القوانين الحالية، لكنه احترمها على أمل أن يغيرها بالوسائل القانونية والديمقراطية كما جرى فى البلاد المحترمة.

ولنا فى التجربة التركية أسوة حسنة، فالإسلاميون الأتراك، أو بالأحرى المحافظون المدافعون عن الإسلام الحضارى والثقافى كانوا ملتزمين بشكل كامل بالقانون حتى لو اضطهدهم فى أحيان كثيرة، واحترموا القوانين العلمانية التى لم يوافقوا على بعضها حتى استطاعوا أن يغيروها بالطرق السلمية، أما فى مصر فالجماعة تقول لنا نحن فوق قانون الجمعيات لأنه ليس على مقاسنا، ونحن فوق الدولة حتى لو حكمناها لأننا ننتمى لجماعة أكبر منها فلا نقبل أن تراقبنا مؤسساتها وبرلمانها لأننا فوق الجميع.

هل يعقل أن يتلكأ قادة الجماعة فى هذا الموضوع ويلفوا ويدوروا على طريقة العهد السابق فى التعامل مع ملف يحتاج إلى قرار قاطع يقول: «نحن نحترم القانون، نحن لسنا فوق الدولة، نعم سنقنن وضع الجماعة ولن نردد حجج الحكام السابقين حين كانوا يتحايلون على القوانين».

مفرح أن يخضع الجيش الوطنى لرقابة مؤسسات الدولة المدنية والمنتخبة، ومناقشة ميزانيته خطوة فى هذا الطريق، وصادم أن ترفض جماعة ظلت وظللنا معها نرفض وصفها بـ«المحظورة» وحين جاءت الفرصة لتصبح غير محظورة أصرت أن تبقى كذلك ليس بسبب رفض النظام لأنها أصبحت النظام، إنما بسبب رفض الجماعة أن تكون مثل باقى مكونات المجتمع: جماعة قانونية ليست فوق الدولة والقانون.


10:39 ص | نشر فى , | أقرأ المزيد »

عمرو الشوبكى .. أشكروا الجنزورى


من المؤكد أن الظروف التى جاء فيها الدكتور كمال الجنزورى إلى رئاسة الوزراء فى 25 نوفمبر الماضى هى من أصعب الفترات التى مرت على مصر منذ عقود طويلة، فقد جاء الرجل إلى السلطة والبلد على حافة الإفلاس، وبعد أن توقف عمل الحكومة التى سبقته عن اتخاذ أى قرار، ووقفت حائرة بين ضغوط ميدان التحرير والمجلس العسكرى، ففشلت فى اتخاذ أى قرار يرضى المواطنين أو الثوار.

جاء الجنزورى والبلد منقسم وهناك تيار واسع من الشباب يعارضه، متصورا ـ عن خطأ ـ أنه من النظام القديم، وناسياً أن هذا النظام لم يحتمل كفاءة الرجل ولا اعتزازه بنفسه، لأنه اعتاد أن يضم المنحنين ومعدومى الكفاءة.

أعرف الرجل من قبل الثورة وكان نموذجاً للوطنية الصادقة، وامتلك خبرة رجل الدولة المحنك، الذى يعرف كيف يدير جهاز الدولة، وفى الوقت نفسه مهارة السياسى الذى يقرأ ويتابع ويقيم أوضاع البلد وأحوال نخبته وأحزابه السياسية، لأننا فى مصر اعتدنا أن نرى سياسيين قادرين على الاحتجاج، ورجال دولة لا علاقة لهم بالسياسة، أما أن تجتمع الميزتان، رجل الدولة والسياسى فى شخص واحد، فهذا أمر نادر الحدوث ولم يتكرر كثيرا إلا مع شخص بقامة الجنزورى.

إن كثيراً من الناس انتظر من البرلمان السابق، الذى وصفه البعض ببرلمان الثورة، أن ينصفه، لأنه اضطهد واستبعد فى عهد مبارك، ولكن ما جرى كان العكس تماما، فقد تبارى بعض النواب فى شتمه وتوجيه اتهامات باطلة له، وحاولوا بكل الطرق سحب الثقة منه حتى لو كان بالمخالفة للقوانين والإعلان الدستورى الذى جاءوا من خلاله إلى البرلمان، ونسوا أيضا أن فى كل تجارب التحول الديمقراطى من تونس إلى كثير من بلدان أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية تشكلت الحكومات الانتقالية أساسا من خارج الأحزاب القائمة، ولعل رئيس وزراء تونس الأسبق، الذى أدار بكفاءة المرحلة الانتقالية خير دليل على ذلك، رغم أن عمره 87 عاما وكان وزيرا فى العهد السابق ولم تقم الدنيا ولم تقعد كما يجرى فى مصر، حتى سلّم السلطة بعد ذلك إلى حكومة حزبية منتخبة.

صحيح أن بعض وزراء الحكومة السابقة كانوا محدودى الكفاءة، ومثلوا عبئا عليها، إلا أن أداء الرجل ومعظم حكومته كان عظيما وصبورا وأنقذ مصر من أخطار اقتصادية جسيمة، وسمح بإجراء انتخابات رئاسية نزيهة بفضل حياد الحكومة وجهازها الإدارى.

إن المطالبة بتغيير حكومة الجنزورى قبل انتخابات الرئاسة كان من شأنها أن تدفع بحكومة إخوانية لكى تشرف على انتخابات الرئاسة، وكان مجىء مرسى للحكم فى هذه الحالة وفى ظل أجواء عدم الثقة السائدة سيحمل اتهاما بالتزوير والتدخل الحكومى.

على الشعب المصرى أن يوجه الشكر للدكتور الجنزورى وحكومته على الجهد الذى بذل فى مرحلة من أصعب المراحل التى مرت بها مصر، وعلينا أن نتذكر أن كثيراً من السهام التى وجهت ظلما وزورا للرجل ستكشف أنها كانت بسبب تركة مبارك الثقيلة وليس أداء الرجل ولا حكومته، وأن الحكومة الجديدة وأى حكومة قادمة لن تستطيع أن تتخلص من إرث مبارك فى يوم ولا شهر ولا سنة، إنما هى رحلة طويلة من الجهد والعرق، بذلت فيها حكومة الجنزورى الكثير، فعلينا أن نشكرها ونشكره من أعماق القلب.

amr.elshobaki@gmail.com

7:48 م | نشر فى , | أقرأ المزيد »

Blog Archive

Labels

Recently Commented

Recently Added